الأحد 18 أكتوبر 2026 - 22:10
توظيف إمكانات التعاليم الدينيّة ضرورةٌ للقضاء على الفقر في المجتمع

وكالة الحوزة - بالتزامن مع اليوم العالميّ للقضاء على الفقر، يسلّط تقريرٌ تحليليٌّ لوكالة أنباء الحوزة الضوء على الإمكانات التي تتيحها التعاليم الإسلامية والشيعيّة لمكافحة الفقر، مؤكّدًا أنّ القضاء المستدام عليه لا يتحقّق بالمساعدات الخيريّة وحدها، بل يستلزم توظيف الرصيد الأخلاقيّ والاجتماعيّ للدين في إرساء العدالة الاقتصاديّة وتعزيز الكرامة الإنسانيّة وبناء منظومةٍ فاعلةٍ للحماية الاجتماعيّة والتمكين.

وكالة أنباء الحوزة - يصادف 17 أكتوبر اليوم العالميّ للقضاء على الفقر. وينبغي، عند الحديث عن مكافحة الفقر، الالتفات إلى أنّ هذه القضية، وفقًا للمصادر والتعاليم الإسلاميّة، لا تقتصر على كونها هاجسًا إنسانيًّا، بل تُعدّ مسؤوليّةً دينيّةً مهمّةً.

وقبل كلّ شيءٍ، لا بدّ من إدراك أنّ التعاليم الإسلامية والشيعية لا ترسّخ ثقافةً أخلاقيّةً مناهضةً للفقر فحسب، بل تطرح أيضًا آلياتٍ لإعادة توزيع الثروة وتوفير الحماية الاجتماعيّة وفق نهجٍ قائمٍ على العدالة، فضلًا عن أنّها تقدّم معايير يمكن الاستناد إليها في نقد البنى التي تنتج الفقر وتعيد إنتاجه.

ضرورة اعتماد نهجٍ يتجاوز الوعظ والإرشاد

ينبغي الانتباه إلى أنّ هذه الإمكانات التي تنطوي عليها التعاليم الإسلاميّة والشيعيّة لا تحقّق أثرها المنشود إلّا إذا انتقلت من نطاق الوعظ والإرشاد إلى مجال صياغة السياسات العادلة وبناء المؤسّسات الفاعلة ووضع آلياتٍ واضحةٍ لقياس النتائج وتقييمها.

ومن النقاط الجديرة بالاهتمام في هذا السياق أنّ الفقر، وفق المنظور الإسلاميّ، لا يعني مجرّد انخفاض الدخل، بل تتّسع دائرته لتشمل الحرمان من الكرامة والفرص والأمن وإمكان المشاركة في الحياة الاجتماعيّة. ومن هنا تحديدًا يتجلّى تأكيد التعاليم الإسلاميّة الأصيلة، في سياق حديثها عن العدالة، على ضرورة صون الكرامة الإنسانيّة وتعزيزها.

ومن هذا المنطلق، فإنّ القضاء على الفقر ليس مجرّد عملٍ خيريٍّ أو قضيّةٍ هامشيةٍ، بل هو جزءٌ من المسؤوليّة الدينيّة ومتطلّبات العدالة الاجتماعيّة.

مكافحة الفقر؛ من الإحسان الفرديّ إلى المسؤوليّة الاجتماعيّة

تحتلّ أعمال الإنفاق والصدقة مكانةً خاصّةً في التقاليد الدينيّة، غير أنّ مكافحة الفقر لا تقتصر عليهما؛ إذ يتّضح، عند التأمّل، أنّ الزكاة والخمس والوقف والقرض الحسن، فضلًا عن مسؤوليّة الدولة في إرساء العدالة، تمثّل جميعها، كلٌّ بطريقتها، آلياتٍ لتنظيم العلاقة بين الثروة والحاجة.

ومن هنا، لا بدّ عند الحديث عن إزالة الأسباب التي تفضي إلى الفقر من التركيز على نقطةٍ محوريّةٍ، وهي أنّ الهدف الأساس يتمثّل في الحيلولة دون الحرمان المستدام، والحدّ من التفاوت في الفرص، ومنع تكدّس الثروة والامتيازات في أيدي فئةٍ محدودةٍ. وعليه، فإنّ القضاء على الفقر المدقع، وإن كان يستلزم تقديم مساعداتٍ عاجلةٍ لا يمكن الاستغناء عنها، فإنّ هذه المساعدات تظلّ محدودة الأثر إذا لم تُترجم إلى سياساتٍ تستهدف التمكين وتوفير فرص العمل اللائق وتحسين جودة التعليم وضمان الوصول العادل إلى الخدمات العامّة؛ إذ لن تؤدّي، في غياب هذه السياسات، سوى إلى التخفيف المؤقّت من آثار الفقر وتداعياته.

كرامة الإنسان: المعيار الدينيّ لتقييم سياسات مكافحة الفقر

يحتلّ الإنسان، في المنظور القرآنيّ وفي ضوء التعاليم النيّرة للمعصومين (عليهم السلام)، مكانةً قائمةً على الكرامة. ومن هذا المنطلق، لا يُختزل الفقر في مجرّد العجز عن تأمين الاحتياجات الاستهلاكيّة، بل هو حالةٌ قد تقيّد قدرة الإنسان على التصرّف بحرّيّةٍ، وتهدّد أمنه ومكانته الاجتماعيّة، وتحدّ من قدرته على الاختيار، بل قد تسلبه هذه الإمكانات. وبناءً على ذلك، فإنّ السياسات التي تنظر إلى الفقير بوصفه مجرّد متلقٍّ للمساعدات قد تغفل عن كرامته وقدرته على الفعل واتّخاذ القرار، حتّى وإن خصّصت له الموارد وقدّمت إليه الدعم.

الترابط بين العدالة والعلاقات الاقتصاديّة في المجتمع

ومن جهةٍ أخرى، ينبغي الالتفات إلى أنّ من أبرز الإمكانات التي تنطوي عليها التعاليم الإسلاميّة الأصيلة ربط العدالة بالعلاقات الاقتصاديّة السائدة في المجتمع. وانطلاقًا من ذلك، فإنّ الاكتفاء بمعالجة الفقر من خلال توزيع المساعدات بعد وقوعه يعني إغفال أسئلةٍ أكثر جوهريّةً، منها: كيف تتوزّع الفرص الاقتصادية؟ ومن هم الذين تُتاح لهم إمكانيّة الوصول إلى الائتمان والأراضي والتعليم وسوق العمل؟ وهل تتيح القواعد الاقتصاديّة المجال للاستغلال والاحتكار والامتيازات غير المشروعة القائمة على المحاباة واستغلال النفوذ؟

ومن هذا المنظور، لا تعني العدالة الاقتصادية مجرّد سخاء الأثرياء وإنفاقهم على المحتاجين؛ فالمجتمع الذي يُضطرّ فيه بعض أفراده إلى التنازل عن حقوقهم الأساسيّة من أجل البقاء لا يستطيع بلوغ جوهر العدالة بمجرّد توسيع نطاق الأعمال الخيريّة وحدها. فالصدقة، على الرغم من تأكيد الروايات الواردة في تراثنا على فضلها وأهميّتها، لا تعدو أن تكون وسيلةً للتخفيف من معاناة المحتاجين، ولا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال أن تحلّ محلّ إصلاح القواعد والأنظمة غير العادلة.

ومن جهةٍ أخرى، لا بدّ من التمييز بين التخفيف من الفقر والقضاء عليه من جذوره؛ فالتخفيف منه يستجيب للاحتياجات العاجلة، أمّا القضاء عليه من جذوره فيقتضي تغيير الظروف التي تُبقي الأفراد عرضةً للحرمان بصورةٍ مستدامةٍ. فمن الطبيعيّ أن يمتلك المجتمع الذي يركّز على التخفيف من الفقر شبكةً واسعةً من المساعدات الضروريّة، ومع ذلك قد يظلّ يواجه الفقر المتوارث، وانعدام الأمن الوظيفيّ، والحرمان من التعليم، وعدم تكافؤ الفرص؛ وهي جميعًا أوضاعٌ تتعارض مع مبدأ الكرامة الإنسانيّة.

التقاليد الشيعيّة وضرورة رعاية الفقراء والمحرومين

في الثقافة الشيعيّة، واستنادًا إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، لا تقتصر المطالبة بالعدالة والاهتمام بالمحرومين، ولا سيّما في ضوء أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وسيرته، على كونها واجبًا دينيًّا فرديًّا، بل تمثّل مسؤوليّةً اجتماعيّةً تتناسب مع مكانة الحكم وطبيعة مسؤوليّاته.

وبعبارةٍ أخرى، لا تنظر هذه المدرسة، بما تتضمّنه من تراثٍ وسيرةٍ، إلى الفقر باعتباره مجرّد ابتلاءٍ للفقراء أو فرصةً للأغنياء لممارسة الإحسان، بل تعدّه قضيّةً أخلاقيّةً ومجتمعيّةً عامّةً يتحمّل أصحاب السلطة والثروة أيضًا مسؤوليةً تجاهها.

وإذا أحسنّا، في هذا السياق، توظيف ما تزخر به مصادرنا وتعاليمنا الدينيّة والمذهبيّة من إمكاناتٍ، في إطار نهجٍ ثوريٍّ، فإنّنا سنخطو، بلا شكٍّ، خطواتٍ راسخةً على طريق القضاء على الفقر في المجتمع، وسنشهد ثمار هذه الجهود وبركاتها. ومن هنا، فإنّ من الجدير بالاهتمام أن تتضافر الإمكانات المتفرّقة، التي يسهم بعضها أحيانًا بفاعليّةٍ في مسار مكافحة الفقر، لتشكّل منظومةً متكاملةً ومنسجمةً وقويّةً.

وأخيرًا، إذا استطعنا تحويل الرصيد الأخلاقيّ والاجتماعيّ للدين، في إطار هذا النهج، إلى منظومةٍ دقيقةٍ وشفّافةٍ وفاعلةٍ، فإنّنا سنهيّئ، دون شكٍّ، الأرضيّة اللازمة لإحداث تحوّلاتٍ عميقةٍ على مستوى المجتمع، بما يحقّق الهدف الأسمى المتمثّل في القضاء على الفقر.

إعداد: السيّد محمّد مهديّ الموسويّ

لمراجعة التقرير باللغة الفارسية يرجى الضغط هنا.

المحرّر: أمين فتحيّ

المصدر: وكالة أنباء الحوزة

سمات

تعليقك

You are replying to: .
captcha